ابن قيم الجوزية

172

البدائع في علوم القرآن

فالجواب : أنه - سبحانه - لم ينف عنهم علمهم بوهن بيت العنكبوت ، وإنما نفى عنهم بأن اتخاذهم أولياء من دونه كالعنكبوت اتخذت بيتا ، فلو علموا ذلك لما فعلوه ، ولكن ظنوا أن اتخاذهم الأولياء من دونه ، يفيدهم عزا وقدرة ، فكان الأمر بخلاف ما ظنوه . مثل في ضلال المشركين ومنها قوله تعالى : ضَرَبَ لَكُمْ مَثَلًا مِنْ أَنْفُسِكُمْ هَلْ لَكُمْ مِنْ ما مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ مِنْ شُرَكاءَ فِي ما رَزَقْناكُمْ فَأَنْتُمْ فِيهِ سَواءٌ تَخافُونَهُمْ كَخِيفَتِكُمْ أَنْفُسَكُمْ كَذلِكَ نُفَصِّلُ الْآياتِ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ ( 28 ) [ الروم ] ، وهذا دليل قياسي احتج اللّه - سبحانه - به على المشركين ، حيث جعلوا له من عبيده وملكه شركاء ، فأقام عليهم حجة يعرفون صحتها من نفوسهم ، لا يحتاجون فيها إلى غيرهم ، ومن أبلغ الحجج أن يأخذ الإنسان من نفسه ويحتج عليه بما هو في نفسه مقرر عندها ، معلوم لها ، فقال : هل لكم مما ملكت أيمانكم من عبيد وإمائكم شركاء في المال والأهل . أي : هل يشارككم عبيدكم في أموالكم وأهليكم ، فأنتم وهم في ذلك سواء ، أتخافون أن يقاسموكم أموالكم ويشاطروكم إياها ، ويستأثرون ببعضها عليكم ، كما يخاف الشريك شريكه . وقال ابن عباس : تخافونهم أن يرثوكم كما يرث بعضكم بعضا . والمعنى : هل يرضى أحد منكم أن يكون عبده شريكه في ماله وأهله حتى يساويه في التصرف في ذلك ، فهو يخاف أن ينفرد في ماله بأمر يتصرف فيه ، كما يخاف غيره من الشركاء والأحرار ، فإذا لم ترضوا ذلك لأنفسكم ، فلم عدلتم بي من خلقي من هو مملوك لي ؟ فإن كان هذا الحكم باطلا في فطركم وعقولكم مع أنه جائز عليكم ممكن في حقكم إذ ليس عبيدكم ملكا لكم حقيقة ، وإنما هم إخوانكم جعلهم اللّه تحت أيديكم ، وأنتم وهم عباد لي فكيف تستجيزون مثل هذا الحكم في حقي مع أن من جعلتموهم لي شركاء عبيدي وملكي وخلقي ؟ فهكذا يكون تفصيل الآيات لأولي العقول . مثل الموحد والمشرك ومنها قوله تعالى : ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا رَجُلًا فِيهِ شُرَكاءُ مُتَشاكِسُونَ وَرَجُلًا سَلَماً لِرَجُلٍ هَلْ يَسْتَوِيانِ مَثَلًا الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْلَمُونَ ( 29 ) [ الزمر ] ، هذا مثل ضربه اللّه - سبحانه - للمشرك